عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي
216
دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )
والطغيان والانحراف ، ولكنّهم ظلّوا صامتين لم ينبسوا ببنت شفة إمّا خوفاً وإمّا اكتساباً للجاه والمقام ، بينما نراه يثور في وجه الطغاة والبغاة مدركاً أنّ ثورته هذه قد تُلقيه في غيابة السّجن ، ومثل هذا الردّ الحاسم ينمّ عن كبرياء مجروحة ومرارة تخالط الدم وما نحسب شاعراً في الأدب العربي - العصر العباسي خاصة - غير دعبل قد أقدم على ما رأينا من هذا التهديد حيث خاطب الخليفة بمثل هذا اللسان . هجاء المعتصم « 1 » تجمع المصادر التاريخية على أنَّ الضّعفَ والخمول قد تسرّب في الخلافة العباسية بعد المعتصم وبعد أن مهّد الطريق للأتراك للسيطرة على شؤون الدولة العباسية إذ بدأ الخليفة يعتمد عليهم في تدبير أمور السلطة وإدارة ولاياته إلى حدٍّ نرى آثاره السلبية فيما بعد ، فهؤلاء يسيطرون على الخلفاء ، بل يقتلونهم ويسملون عيونهم أحياناً ، ويستبدلون بهم غيرهم أحياناً أخرى . وجّه دعبل الخزاعي أكثر هجائه السياسي إلى المعتصم ثامن الخلفاء العباسيين ، فإنّه حين تولّى الخلافة سنة 218 ه دخل دعبل عليه وطلب منه مائة بدرة ، فقال المعتصم له امهلني مائة سنة ، فخرج دعبل ساخطاً عليه وهرب إلى مدينة قم . « 2 » ومن هناك أذاع قصيدته البائيّة في هجاء المعتصم التي تعدّ من عيون شعره ، وقد وصلنا منها اثنا عشر بيتاً . وفي هذه القصيدة الهجائيّة شكا الشاعر من تشتّت الدّين بقيام المعتصم العباسي كخليفة جاهل لا يهتدي ، وأعلن أنّه سلك طريقاً معوجّاً انتهى به إلى الضّلالة ، وجرّده من الرّشد والهداية والدّين والتفكير السّليم ، وأبدى إعجابه أن يملَّك مثلُه مقاليد الخلافة
--> ( 1 ) - هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرّشيد ، ولد سنة ثمانين ومائة ، كذا قال الذهبي وقال الصولي : في شعبان سنة ثمان وسبعين . وأمّه أمّ ولد من مولّدات الكوفة اسمها ماردة . بويع له بالخلافة بعد المأمون ؛ تحوّل المعتصم من بغداد وبنى سرّ من رأى وذلك أنّه اعتنى باقناء الترك فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم وبذل فيهم الأموال ( انظر : السيوطي 395 - 396 ) . ( 2 ) - انظر : أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني ، ج - 20 ص 132 .